الشيخ عبد الغني النابلسي
335
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وعرف حقهم عليه فآجره اللّه ، أي إعطاء اللّه تعالى على ذلك الأمر القائم به مثل أجر العلماء العارفون بالأمر على ما هو عليه من الأنبياء وورثتهم وأجر مثل هذا المتسخر للمرتبة يكون أجره ذلك على اللّه تعالى كما قال نوح عليه السلام لقومه : فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ يونس : 72 ] ، وقال أيضا في موضع آخر : وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [ هود : 29 ] ، وقال هود عليه السلام : يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 ) [ هود : 51 ] في كون اللّه ظاهرا في شؤون جمع شأن وهو الحال ، أي أحوال عباده المؤمنين به على الكشف منهم عن ذلك . قال تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [ يونس : 61 ] ، فالعالم يفتح اللام كله محسوسه ومعقوله وموهومه مسخر بالحال الظاهر منه وهو الافتقار والاحتياج من لا يمكن شرعا أن يطلق عليه عندنا اسم مسخّر بصيغة اسم المفعول وهو اللّه تعالى لعدم ورود هذا الاسم له في الشرع قال تعالى مشيرا إلى ذلك كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، أي هو قائم بالشؤون كلها . وقال سبحانه : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) [ الرحمن : 31 ] ، يعني من القيام بجميع أحوالكم في الدنيا فيفرغ خلقنا لشؤونكم كلها ثم تقوم الساعة فنحاسبكم على جميع ما هو منسوب إليكم عندكم من أعمالكم . * * * فكان عدم قوّة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتّسليط على العجل كما سلّط موسى عليه ، حكمة من اللّه ظاهرة في الوجود ، ليعبد في كل صورة . وإن ذهبت تلك الصّورة بعد ذلك فما ذهبت إلّا بعدما تلبّست عند عابدها بالألوهيّة . ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلّا وعبد إمّا عبادة تألّه وإمّا عبادة تسخير فلا بدّ من ذلك لمن عقل . فكان عدم قوّة إرداع ، أي منع وزجر هارون عليه السلام لعابدي العجل من قومه بالفعل المقتضي للكف عن ذلك أن تنفذ تلك القوة منه في أصحاب العجل بالتسليط ، أي التوجه بالقهر والاستيلاء والقدرة والغضبية على العجل كما سلط موسى عليه السلام ، أي سلط اللّه تعالى عليه ، أي على العجل فحرقه ونسفه